عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

25

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا أقول غيرها حتى يأتوني بالشمس من محلها فيضعوها في يدي » فقالوا : اترك شتم آلهتنا وإلا شتمناك وشتمنا من يأمرك بهذا فنزل قوله تعالى : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ الأنعام : 108 ] الآية . ( فإن قيل ) : سب الأصنام من أفضل الطاعات فلم نهى اللّه عنه ؟ ( فالجواب ) : لما كان سبها يؤدي إلى منكر عظيم تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوا كبيرا وهو سب اللّه ورسوله وجب الاحتراز عنه . ( لطيفة ) : شبه اللّه كلمة التوحيد بالماء لأنه يطهر وهذه الكلمة أيضا تطهر من الذنوب ، وشبهها بالتراب لأنه يرد الحبة بأضعافها وهذه الكلمة يضاعف ثوابها ، وشبهها بالنار لأنها تحرق وهذه الكلمة تحرق الذنوب ، وشبهها بالشمس لأنها تضيء على العالمين ، وهذه الكلمة تضيء في القبر وشبهها بالقمر لأنه يذهب ظلمة الليل وهذه الكلمة تضيء على ذلك اليقين ، وشبهها بالنجوم لأنها دليل المسافرين وهذه الكلمة دليل أهل الضلالة إلى الهدى ، وشبهها بالنخلة قال تعالى : كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ [ إبراهيم : 24 ] فإن النخلة لا تنبت في كل أرض وهذه الكلمة لا تنبت في كل قلب ، والنخلة أطول الأشجار وهذه الكلمة أصلها في القلب وفروعها تحت العرش ، والثمرة لا تنقص قيمتها بالنواة ، والمؤمن لا تنقص قيمته بالمعصية التي بينه وبين اللّه تعالى ، والنخلة أسفلها شوك وأعلاها رطب ، وهذه الكلمة أولها تكاليف فمن أتى بها وصل إلى ثمرتها وهي النظر إلى اللّه تعالى وهي مفتاح الجنة ولا بد للمفتاح من أسنان وأسنانها ترك المحرمات وفعل الواجبات قال اللّه تعالى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [ محمد : 19 ] وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من قال لا إله إلا اللّه مخلصا بها من قلبه دخل الجنة » قيل : وما إخلاصها ؟ قال : « أن تحجزه عن محارم اللّه تعالى » وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « يا أبا هريرة كل حسنة تعملها توزن يوم القيامة إلا شهادة أن لا إله إلا اللّه فإنها لا توضع في الميزان » . ( حكاية ) : كتب ملك الروم إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : يا أمير المؤمنين أخبرني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن عندكم شجرة يخرج ثمرها كآذان الحمير ثم ينشق عن أحسن من اللؤلؤ ثم يخضر حتى يكون كالزمرذ - بالذال المعجمة - ثم يحمر ويصفر فيكون كشذور الذهب وقطع الياقوت ثم يينع أي ينضج فيكون أطيب من الفالوذج ثم ييبس فيكون قوتا للمقيم وزادا للمسافر فإن صدق فهذه شجرة من الجنة ، فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : نعم وهي التي ولد تحتها عيسى فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [ الشعراء : 213 ] . ( فائدة ) : قال الرازي : بين النخلة والحيوان وبين الإنسان مناسبة ومشابهة بخلاف غيرها من الشجر ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من بقية طين آدم عليه السّلام » أي لأن آدم لما هبط طال شعره وتشعث بدنه فجاء جبريل بالمقراض فقص شعره وظفره وأزال الوسخ عن جسده ودفنه في الأرض ثم نام فاستيقظ وقد خلق اللّه تعالى النخلة إلى جانبه بدنها أي جذعها من جسده وليفها من شعره وجريدها من ظفره وهي تشرب من أعلاها وغيرها من أسفله . قال علي رضي اللّه عنه : أول شجرة استقرت على وجه الأرض النخلة وقد ذكرها اللّه